الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
497
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
ممتنعة لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم ، وكونها متغيرة ، غرضا للآفات والفناء ، فلم تكن لهم قوة على الرؤية ، فإذا كان في الآخرة وركبوا تركيبا آخر ، ورزقوا قوى ثابتة باقية ، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم ، قووا بها على الرؤية . قال : وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس - رحمه اللّه - قال : لم ير في الدنيا لأنه باق ، ولا يرى الباقي بالفاني . فإذا كان في الآخرة رزقوا أبصارا باقية ، رؤى الباقي بالباقي ، وهذا كلام حسن مليح ، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القوة ، فإذا قوى اللّه تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه ، انتهى . والاستثناء في قوله : « إلا من حيث ضعف القوة » ينبغي أن يكون منقطعا ، على معنى : لكن من حيث ضعف القوة ، وإلا فضعف القوة قصاراه أن يكون مانعا ، أي امتنع من جهة ضعف القوة لا من جهة كونه مستحيلا ، ويدل على هذا قوله : « فإذا قوى اللّه تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع في حقه » . وقد وقع في صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة في حديث مرفوع فيه : ( واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ) « 1 » . وأخرجه ابن خزيمة أيضا من حديث أبي أمامة ، ومن حديث عبادة بن الصامت . فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلا فقد امتنعت شرعا ، لكن من أثبتها للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - له أن يقول : إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه . وفي كلام ابن كثير : أن في بعض كتب اللّه المتقدمة أن اللّه تعالى قال لموسى لما سأله الرؤية ، يا موسى ، إنه لن يراني حي إلا مات . وقد جزم القشيري - في الرسالة - بأنها لا تجوز في الدنيا على جهة الكرامة ، وادعى حصول الإجماع عليه . وحكى القاضي عياض امتناعها في الدنيا عن جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين . وقال القشيري أيضا : سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يحكى عن أبي الحسن الأشعري في ذلك قولين في كتاب الرؤية الكبير : انتهى .
--> ( 1 ) صحيح : انظر « صحيح الجامع » ( 2312 و 2459 ) .